Thursday, 29 March 2012

مادة "الشبشب" فى الدستور

 بدأ لقائى بها عندما ركبت الميكروباص لأجد لا مكان خالٍ اللا الكنبة الخلفية التى يوجد بها شخصين , شاب و سيدة عجوز, نزل الشاب حتى يعطى لى فرصة لأجلس و هى لم تتحرك فهى تجلس فى وسط "الكنبة" و لا تتراجع عن موقفها , فجلست في اخر "الكنبة" بجانب الشباك , و عندما اراد الشاب ان يجلس فى اول "الكنبة" اضطرت العجوز ان تفسح له مكان ,, كانت ضئيلة الحجم و هذا لم يثير اندهاشي لمجرد رؤيتى لما ترتديه , فكانت ترتدى جلباب اسود قد جمع ما جمع من التراب الذى ربما تراكم عليها خلال الشهور التى ارتدت فيها هذا الجلباب حتى أصبح لونه رمادى !! تنبعث من جسدها رائحة جسد مرهق , عانى ايام و ليالى بل سنين , يحتاج الى مياه ساخنة حتي يغتسل و يرتاح ! و تحمل "بؤجه"  أو شوال لا أعلم ما به و لكن ربما يحتوى على باقى ملابسها أو شئ لتأكله و لكنى أشك انه شئ يؤكل لأنه نظرا لحالها فهى بالكاد تأكل و لا أظن انه كان معها مال لتشترى به طعام! و لكنها تركب وسيلة مواصلات!! فكيف لها و هى فى قمة الغلب ان تركب أى وسيلة للمواصلات؟! فلو كان معها جنيه لكانت اشترت به اى شئ لترّم به عظامها بدلا من ان تركب تلك المواصله!!
كانت المدة التى جلست جوارها لا تتعدى العشر دقائق حتى وصلنا الى مكان قبل مطلع الكوبرى الذى  من الطبيعى ان يصعد عليه الميكروباص لنصل الى ميدان الجيزة ,, فتوقف السائق عن السواقة ليلتفت و ينظر الى السيدة بقليل من الغضب و نفاذ الصبر و بعض من التحير فى تلك السيدة التى حملها له القدر لتركب معه!! و قال لها "يا حاجة هنا الآخر, انزلى!" و بصوت خافت للغاية - ربما من قلة كلامها مع البشر الذي من الواضح انهم جميعا تخلوا عنها لتصل الى ذلك الحال - تكلمت السيدة وبكلام معناه "لسة شوية قدام" فأحتد صوت السائق "هنا الآخر , انزلى يا حاجة عايز امشي" فالتفت باقي الركاب فى محاولة لمعرفة وجهة تلك السيدة "انتى رايحة فين يا ست؟!" فرد السائق "دى راكبة من أول الخط و عايزة تروح رمسيس !!" علما بأننا نركب ميكروباص يتجه الى الجيزة و يصل الى جامعة القاهرة و يبعد كل البعد عن رمسيس!! و لكن ربما تلك العجوز - التى بالطبع لا تدرك الفرق بين السيارات التى تذهب الى رمسيس و بين تلك التى تتجه الى الجيزة - انتهزت وجود أى شئ قد يوصلها الى اى مكان افضل من سيرها على قدميها!! و عندها تدخلت راكبة قائلة "يا عم لو عالأجرة أديهالك!" عندها فقط تستطيع ان تتخيل فقر تلك السيدة التى ركبت و تجاهلت صيحات السائق "مين مادفعش الأجرة؟"  لأنها ببساطة ليست معها أى نقود و لن تفصح عن ذلك حتى لا يجبرها السائق على الرجوع الى الشارع و السير من جديد على قدميها!!
في النهاية استجابت السيدة لأوامر السائق لها بالنزول و بدأت في التحرك البطئ على الأريكة حتى وصلت الى نهايتها وضعت قدميها على الشارع لأجدهما حافيتين!!!!!! و هنا ذهلت و لم تتحرك عينى و انا اراها تتحرك بقدمين حافيتين احداهما قد ربطتها بقطعة قماش ربما وجدتها ملقاه في الشارع فربطت بها قدمها لتخفف حدة اصطدامها بالاسفلت أو ربما ربطتها لتضمد بها جرح فى قدمها قد نتج عن السير الدائم!! مرت تلك الأحداث كلها فى دقائق معدودة , و استأنف السائق السواقه و عاد الكل الى حديثه أو صمته و لم يبالى أحد بتلك السيدة التى نزلت فى أول فيصل و تريد أن تصل الى رمسيس! حافية القدمين تحتاج الى مواصله اخرى و ربما اثنين , ستركبهم لتتجاهل صيحات السائق مرة أخرى و هو يسأل عن من لم يدفع الاجرة و لكن ربما هذه المرة لا يرّق قلب السائق و يطردها فى وسط الخط و تستكمل رحلتها على هذا النحو حتى تصل الى وجهتها!!!
  بالطبع يدهشنى أن سيدة - كادت تكون ميته عن العالم و لكن ترفض الروح ان تفارقها و يبدو ان ليس لها أحد فى تلك الدنيا- ان يكون لها مكان تتجه له أو يكون لديها الرغبة فى الاصل ان تذهب الى أى مكان!! ربما تكون شحاذة تستجدى لتعيش و لكن نظرا لأن حتى الشحاذين قد يحصلوا على بعض النقود ليعيشوا بها فلن ترهق نفسها كل هذا الأرهاق لتصل الى مكان ممارستها الشحاذة !!! فلذلك انا أستبعد ذلك السبب
و لكنى بعدما نزلت تلك السيدة ظللت انظر الى قدمى لأجد ذلك "الكوتشي" الذى أرتديه و أعود لأتخيل منظر قدميها ثم أحاول أن افكر في أى شئ قد يكون معى قد أفيد به تلك العجوز و لكن كيف يكون أى شئ احمله يفيدها؟! شبشب؟!! هل من الطبيعى أن يحمل الانسان فى شنطته "شبشب" عسى أن يرى انسان حافى القدمين يسير أمامه؟!! خاصمت نفسي فى تلك اللحظة لأنى لم أقدر أن اساعدها و ربما لو كنت أقدر كنت سأبخل بوقتى فأتأخر عن موعدى لأنزل معها و أسألها عما تريد و لكنى بخلت بوقتى و تركتها تتجول وحدها حتى تصل الى وجهتها "رمسيس" !!!
لا أعرف على من ألقِ اللوم!! و لكن كل ما أعرفه أن هناك سيدة عجوز لا أعلم اذا كانت نجحت فى الوصول الى رمسيس أم لا و نحن هنا نتحدث عن الوضع السياسى الحالى و لجنة وضع الدستور و نوابنا الأعزاء الأجلاء يحصدون الغنائم و يباشروا عملهم فى جمع  أكبر كَم من الكراسى !! و يتبادر سؤال الى ذهنى : هل سيكوم هناك مادة "الشبشب" فى الدستور !!

Monday, 26 March 2012

كرسى الشرف



     لم يأتِ فى ذهن ذلك الرجل الذى ربما بلغ سن المعاش انه سيكون فى ذلك الوضع ! ربما توقع اسوأ الأحوال من مرض, ضيقة مالية,أو اى أزمة قد تمر بأسرة بسيطة و لكنه لم يتخيل أبدا انه سيدفن ابنه بيديه بعد ان اصابته رصاصة الغدر ! و تتوالى عليه الأيام او يتعود وجهه على عدم اظهار الحزن و تعود دموعه من حيث أتت بعد سماع الخبر فلم يعد البكاء مُجدى و لن تستطيع نبضات القلب المتحسر أن تعيد من ذهب و لكنه لم يعد!!
قرر ذلك العقل المستنير الذى لا أعلم من اين اتى بعزيمة بعد كل ما حدث ان يحمل تلك اللافتة التى ربما تحمل صورة ابنه" فلان الفلانى طالب بالكلية العلانية قُتِل غدر فى احداث مجلس الوزراء ,, ألخ" فلتحمل ما تحمل !, تلك الورقة ,التى مهما كبرت فستظل ورقة ثنائية الأبعاد !! ماذا تستطيع تلك الورقة أن تحمل من ذكريات تمر بذاكرة اسرة بأكملها!! ماذا ستحمل من سنين قضتها الأم فى التربية أو التعليم ؟!!ماذا ستحمل من احساس بالفراغ تركه الشاب فى حياة اخيه؟! ماذا ستحمل من شعور بالوحدة يشعر به اصدقاؤه؟!! 
أخذ اللافتة ليريها لشعبه الذى مات ابنه لأجله , أخذها ليذكر ذلك الشعب العنيد بمن أختفى عن عالمه لكى يفيق الشعب و لكنه حتى الان لم يفق !! و حتى يستمر اكثر وقت ممكن يحمل تلك اللافته , أخذ كرسي لا اعلم من اين اتى به , وضعه فى جانب طريق السيارات حتى يراه كل من يمر بسيارته و ربما يري صورة ذلك الشاب الجميل و يقتنع انه لم يكن بلطجى و لا يستحق الموت !! و ربما يراه فيلعن ذلك الشاب الذى تسبب فى خراب بلد بأكملها!
جلس على الكرسي الخشبى فى الشارع لأنه لم يجد كرسي فى مكان أفضل من ذلك! لأنه  , لم يجد أيضا كرسي فى مركز يقدر قيمته , لم يجد كرسى فى حفلة فاخرة تنصعنها له السلطة, لم يجد كرسي فى قاعة المؤتمرات التى يجلس امامها  ليرى ما يفعله النواب فى البرلمان و لم يجد كرسي بين اعضاء الهيئة التأسيسية لوضع الدستور!!  و لكن ابنه ضحى بحياته ليجلس ذلك النائب على كرسي و يتمسك اللواء و ربما المشير بالكرسي و يحصل كل واحد على كرسى ما عدا ذلك الرجل الذى ربما بلغ سن المعاش فلم يجد سوى ذلك الكرسى , كرسى الشرف!    

Saturday, 10 March 2012

طفل "سابقا" ex-kid



لم تكن كلماته تلائم ذلك الخط الطفولى الذى كُتِبَ بقلم رصاص ربما حصل عليه ليذاكر بعض الكلمات من منهجه الدراسى,, و لا أظن انه حينما كان يكتب المواضيع التعبيريه- المملة المليئه بكلمات لا معنى لها كتبت خصيصا لتُعجِب المصحح - طوال سنين دراسته  أنه سيأتى 
يوم ليكتب ذلك الجواب الملئ بالحب لكل من فى الحياة التى ظن أنه و هو فى ذلك العمر أنه يمكن أن يفارقها خلال أيام و ربما ساعات!! 

كيف لذلك الخط أن يقر بكامل قواه العقلية أن يتبرع بأعضائه "المتبقية من أصابته" لكل من شارك فى تلك الثورة التى لم و ربما لن تستطيع أن تحقق له ما كان يريد أو ما يستحق!! كيف له أن يظل يحب شباب فشلوا أن يمنعوا عنه ما اصابه من سوء و لكنه يرحب بهم بكل أبتسامه آمل أن تعطيهم تلك الأبتسامه دفعة ليكملوا ما قد بدأوه و بدأه هو معهم و لكنه لم يقدر أن يستمر بسبب أصابته!!

كيف يستطيع ذلك القلم الرصاص أن يكتب تلك الكلمات - التى صُنِعَت لتكتب بقلم حبر على ورق مختوم من صاحب الوصية ليسجلها فى الشهر العقارى و يسلمها لمحاميه و يأتمنه عليها ليحفظها حتى يوم مماته -أن يكتب وصية لذلك الطفل الذى لم يكمل تعليمه الأساسى ليضع خط لحياته فى ذلك الوقت من العمر و لا يفكر فيما هو آت من سنين عمره!! 
لا أستطيع أن اتذكر النص الكامل لذلك الجواب الذاى ارانا اياه  والده و عينه مليئة بالدموع و هو متخوف من حال أبنه بعدما رأى ما كتبه و لكنى ما زلت اتذكر تلك الكلمات التى كتبها ليشكر كل من ساعده "بالأسم" و يعتذر لوالديه عما قد يكون بدر منه خلال حياته!! أتذكر خطه الغير متناسق الذى يكبر فجأة ثم يعود ليصبح صغيرا مرة أخرى و أحيانا يتمايل فيشت عن السطر , أتذكر كم الحب الذى بدر منه خلال كلماته, أتذكر كيف لم يذكر شئ من أحلامه التى كان يريد أن يحققها و لم يكتب شئ عن حياته التى كان يتمناها ! أتذكر و أتذكر و أتعجب من نفسى و من كل من حولى ! فاذا كنا نحن نفعل ذلك لأننا أصحاء نشعر بالأمتياز لأنه لم يصبنا سوء طوال هذه الأحداث, فكيف لطفل مصاب أن يفكر هكذا!!
أتعجب من هؤلاء الطغاه الذين نجحوا فى قتل الطفولة بداخلنا ليولد عقل ناضج واعٍ بالأحداث يفكر كما لم يفكر متخصصون من قبله!! 
أتعجب كيف يصبح شخص "طفلا" سابقا!!!!!