بدأ لقائى بها عندما ركبت الميكروباص لأجد لا مكان خالٍ اللا الكنبة الخلفية التى يوجد بها شخصين , شاب و سيدة عجوز, نزل الشاب حتى يعطى لى فرصة لأجلس و هى لم تتحرك فهى تجلس فى وسط "الكنبة" و لا تتراجع عن موقفها , فجلست في اخر "الكنبة" بجانب الشباك , و عندما اراد الشاب ان يجلس فى اول "الكنبة" اضطرت العجوز ان تفسح له مكان ,, كانت ضئيلة الحجم و هذا لم يثير اندهاشي لمجرد رؤيتى لما ترتديه , فكانت ترتدى جلباب اسود قد جمع ما جمع من التراب الذى ربما تراكم عليها خلال الشهور التى ارتدت فيها هذا الجلباب حتى أصبح لونه رمادى !! تنبعث من جسدها رائحة جسد مرهق , عانى ايام و ليالى بل سنين , يحتاج الى مياه ساخنة حتي يغتسل و يرتاح ! و تحمل "بؤجه" أو شوال لا أعلم ما به و لكن ربما يحتوى على باقى ملابسها أو شئ لتأكله و لكنى أشك انه شئ يؤكل لأنه نظرا لحالها فهى بالكاد تأكل و لا أظن انه كان معها مال لتشترى به طعام! و لكنها تركب وسيلة مواصلات!! فكيف لها و هى فى قمة الغلب ان تركب أى وسيلة للمواصلات؟! فلو كان معها جنيه لكانت اشترت به اى شئ لترّم به عظامها بدلا من ان تركب تلك المواصله!!
كانت المدة التى جلست جوارها لا تتعدى العشر دقائق حتى وصلنا الى مكان قبل مطلع الكوبرى الذى من الطبيعى ان يصعد عليه الميكروباص لنصل الى ميدان الجيزة ,, فتوقف السائق عن السواقة ليلتفت و ينظر الى السيدة بقليل من الغضب و نفاذ الصبر و بعض من التحير فى تلك السيدة التى حملها له القدر لتركب معه!! و قال لها "يا حاجة هنا الآخر, انزلى!" و بصوت خافت للغاية - ربما من قلة كلامها مع البشر الذي من الواضح انهم جميعا تخلوا عنها لتصل الى ذلك الحال - تكلمت السيدة وبكلام معناه "لسة شوية قدام" فأحتد صوت السائق "هنا الآخر , انزلى يا حاجة عايز امشي" فالتفت باقي الركاب فى محاولة لمعرفة وجهة تلك السيدة "انتى رايحة فين يا ست؟!" فرد السائق "دى راكبة من أول الخط و عايزة تروح رمسيس !!" علما بأننا نركب ميكروباص يتجه الى الجيزة و يصل الى جامعة القاهرة و يبعد كل البعد عن رمسيس!! و لكن ربما تلك العجوز - التى بالطبع لا تدرك الفرق بين السيارات التى تذهب الى رمسيس و بين تلك التى تتجه الى الجيزة - انتهزت وجود أى شئ قد يوصلها الى اى مكان افضل من سيرها على قدميها!! و عندها تدخلت راكبة قائلة "يا عم لو عالأجرة أديهالك!" عندها فقط تستطيع ان تتخيل فقر تلك السيدة التى ركبت و تجاهلت صيحات السائق "مين مادفعش الأجرة؟" لأنها ببساطة ليست معها أى نقود و لن تفصح عن ذلك حتى لا يجبرها السائق على الرجوع الى الشارع و السير من جديد على قدميها!!
في النهاية استجابت السيدة لأوامر السائق لها بالنزول و بدأت في التحرك البطئ على الأريكة حتى وصلت الى نهايتها وضعت قدميها على الشارع لأجدهما حافيتين!!!!!! و هنا ذهلت و لم تتحرك عينى و انا اراها تتحرك بقدمين حافيتين احداهما قد ربطتها بقطعة قماش ربما وجدتها ملقاه في الشارع فربطت بها قدمها لتخفف حدة اصطدامها بالاسفلت أو ربما ربطتها لتضمد بها جرح فى قدمها قد نتج عن السير الدائم!! مرت تلك الأحداث كلها فى دقائق معدودة , و استأنف السائق السواقه و عاد الكل الى حديثه أو صمته و لم يبالى أحد بتلك السيدة التى نزلت فى أول فيصل و تريد أن تصل الى رمسيس! حافية القدمين تحتاج الى مواصله اخرى و ربما اثنين , ستركبهم لتتجاهل صيحات السائق مرة أخرى و هو يسأل عن من لم يدفع الاجرة و لكن ربما هذه المرة لا يرّق قلب السائق و يطردها فى وسط الخط و تستكمل رحلتها على هذا النحو حتى تصل الى وجهتها!!!
بالطبع يدهشنى أن سيدة - كادت تكون ميته عن العالم و لكن ترفض الروح ان تفارقها و يبدو ان ليس لها أحد فى تلك الدنيا- ان يكون لها مكان تتجه له أو يكون لديها الرغبة فى الاصل ان تذهب الى أى مكان!! ربما تكون شحاذة تستجدى لتعيش و لكن نظرا لأن حتى الشحاذين قد يحصلوا على بعض النقود ليعيشوا بها فلن ترهق نفسها كل هذا الأرهاق لتصل الى مكان ممارستها الشحاذة !!! فلذلك انا أستبعد ذلك السبب
و لكنى بعدما نزلت تلك السيدة ظللت انظر الى قدمى لأجد ذلك "الكوتشي" الذى أرتديه و أعود لأتخيل منظر قدميها ثم أحاول أن افكر في أى شئ قد يكون معى قد أفيد به تلك العجوز و لكن كيف يكون أى شئ احمله يفيدها؟! شبشب؟!! هل من الطبيعى أن يحمل الانسان فى شنطته "شبشب" عسى أن يرى انسان حافى القدمين يسير أمامه؟!! خاصمت نفسي فى تلك اللحظة لأنى لم أقدر أن اساعدها و ربما لو كنت أقدر كنت سأبخل بوقتى فأتأخر عن موعدى لأنزل معها و أسألها عما تريد و لكنى بخلت بوقتى و تركتها تتجول وحدها حتى تصل الى وجهتها "رمسيس" !!!
لا أعرف على من ألقِ اللوم!! و لكن كل ما أعرفه أن هناك سيدة عجوز لا أعلم اذا كانت نجحت فى الوصول الى رمسيس أم لا و نحن هنا نتحدث عن الوضع السياسى الحالى و لجنة وضع الدستور و نوابنا الأعزاء الأجلاء يحصدون الغنائم و يباشروا عملهم فى جمع أكبر كَم من الكراسى !! و يتبادر سؤال الى ذهنى : هل سيكوم هناك مادة "الشبشب" فى الدستور !!
:"(( الإجابة سناقولها اجبارياً فقد وضعها النظام امامنا ولم يترك لنا خيار لإجابة اخرى .حتى وان كنا لانريدها
ReplyDeleteجميلة جدا!
ReplyDeleteبجد مدونة روعة وعنوانها جامد اوي :D
ReplyDelete